السيد محسن الأمين

26

أعيان الشيعة ( الملاحق )

فالويل لمن كان باعه قصيرا . وهذا كما كان في بيت المقدس عمودان يزعم العوام أن من لم يستطع أن يخرج من بينهما فهو ليس لأبيه ، فالويل لمن كانت جثته كبيرة ، وبطنه عظيما . . وفيه مكان يقال إن منه فار التنور وإن منزل نوح ع كان هناك . « 1 » ولا يفوته ، في النجب [ النجف ] الأشرف ، أن ينتقد عادة ضرب الطبول أمام الجنائز وهو يعتبرها منكرات . « 2 » أما في إيران ، فإنه يورد بعض العادات والخرافات الشائعة ، ثم يعللها ويردها إلى سبب ارتزاقي ، بقوله : قصد أن لا يفوتهم شيء من النذور ، « 3 » وذلك في معرض ما اتفق له في كرمنشاه حين جاء صاحب مجلة وذكر أن امرأة كانت مصابة بمرض السرطان ، وعجزت عنها الأطباء ، فاستجارت بمرقد الرضا ع في طوس فبرئت وإن طبيبا إفرنجيا اسمه الدكتور أرثور أعطى تقريرا بأنها لا تبرأ . وقد طبع ذلك هذا السيد في ورقة وقرأها علينا . وفي اليوم الثاني جاء وأعاد قراءتها وجعل يكرر قراءتها لكل قادم . فقلت إن فضائل أئمة أهل البيت ع وكراماتهم لا يشك فيها أحد . ولكن كثيرا من الكرامات التي تنقل على ألسنة الناس هي مكذوبة . لأن الكرامة لا تأتي عفوا ومتى شاءها الإنسان وعلى يد كل أحد ومع كل مناسبة ، وإنما تكون عند موجب قوي يقتضيها . فأهل النجف يقولون إن المعدان جاءوا لزيارة أمير المؤمنين ع ، وباب البلد مغلق ، ففتح لهم الأمير الباب ، وهل كان الأمير بوابا لهؤلاء الأعراب البوالين على أعقابهم التاركين للصلاة المستحلين المحرمات حتى يخرج ويفتح لهم . وخدام العباس ع يقولون إن رجلا جاء ومعه نذر للعباس لم يدفعه فأصيب بكذا قصدا أن لا يفوتهم شيء من النذور . « 4 » من مجمل النصوص التي أوردناها آنفا ، نسأل : كيف تعامل السيد محسن الأمين مع الخرافة الشعبية ؟ . إنه يسوق الخرافة ، أو العادة الشعبية ، كما رآها أو عاينها ، وفي أي مكان صادفها فيه ، ويعلق في نهاية كلامه ، بتعليق مقتضب ، يدل على رأيه في هذه الخرافة . فتارة يرد المعتقد الشعبي إلى سبب ارتزاقي ، بقوله : . . قصدا أن لا يفوتهم شيء من النذور . وتارة يظهر التفسير العلمي لظاهرة من الظواهر ، خفي على العامة سببها الحقيقي ، فالحقوها بالخوارق ( كادراكه لخلو موضع معين من الخد ، من العروق والأعصاب ، بحيث إذا شك بإبرة ، لا يظهر دم ولا وجع ) وتارة يكشف سقوط الوهم الشعبي ، في حادثة من الحوادث ، بالاقدام عليها ، ومجابهتها ، فيسقط الوهم الشعبي تلقائيا . . وهو ، في كل ذلك ، لا تفوته روح مرحة ، في عرض المعتقدات الشعبية ونقدها ، مذكرا بأسلوب الجاحظ ، في بعض كتابته الاجتماعية الساخرة ( سيما في كتاب الحيوان ) . 26 خامسا : السيد محسن الأمين والعمل السياسي موقفه من : - الوهابية . - العمل الوطني . - الانتداب . - فيصل . . إذا كان لدينا هذا الموقف النقدي من تعامل السيد محسن الأمين مع بعض المعتقدات الدينية الشعبية ، وإقامة بعض الشعائر ، فليس معنى ذلك تاييدنا للموقف الوهابي منها ، نظرة وتطبيقا . . فمن المعروف أن الموقف الوهابي قد تطرف في هذا الموضوع ، وخطا خطوة دموية عنيفة ، نقلته من موقع نقد بعض الشعائر والعادات الدينية الشعبية ، إلى موقع إبادة معتنقيها ، وتدمير مدنهم ودساكرهم . . وقد تجلى ذلك ، في تعامل الوهابية مع الشيعة على وجه الخصوص ، حيث أخرجتهم من حيز الإسلام ، وهددت الكثير من قبائلهم في العراق ، بالتدمير والتشريد . . لذلك ، ليس بالإمكان فهم موقف السيد محسن الأمين من الوهابية ، في عنفه وصلابته ، دون الرجوع إلى موقف الوهابية بالذات ، من الشيعة ، على الصعيدين الفقهي النظري والسياسي العملي . فان هذا الموقف اتسم بالعنف ، والتطرف ، في وجهيه النظري والعملي معا . فقد انطلقت الوهابية من موقف فقهي خاطئ هو تكفير الشيعة وشكلت بالفعل خطرا حقيقيا على قبائلهم في العراق في مطلع القرن التاسع عشر لا سيما في عهد عبد العزيز آل سعود . لذلك مال الشيعة ، في ولائهم السياسي ، إلى التحالف مع الشريف حسين في صراعه مع العائلة المالكة السعودية التي كانت تدين بالوهابية ، وذلك لاعتقادهم أن تحالفهم مع الشريف حسين ، الهاشمي ، السني ، سوف يساعدهم على دفع خطر الوهابية من جهة ، ويحقق لهم من جهة ثانية ، ما كانوا يدعون إليه ، من ضرورة دفع إمارة غير المسلمين ( وهم الإنكليز ) عن بلاد إسلامية وهي العراق . « 5 » لقد أوضح عبد الله الفياض هذه النقطة ، في كتابه الثورة العراقية الكبرى سنة 1920 المذكور آنفا ، مشيرا إلى أن مجتهدي الشيعة أعلنوا الجهاد المقدس في العراق عام 1920 ضد الإنكليز ، مؤازرة للحركة الوطنية ، وذلك بدافع إسلامي أصولي عام ، لا مذهبي شيعي ضيق . . : لأن دفع غير المسلمين عن الثغور الإسلامية ، واجب إسلامي مقدس ، يستوي فيه الشيعة والسنة على السواء . والدليل على ذلك ، أن - مجتهدي الشيعة ، أفتوا بالجهاد لدفع غير المسلم عن أرض المسلمين ، في ظل دولة سنية وهي الدولة العثمانية في بداية الحرب العالمية الأولى . . كما أن مجتهدي الشيعة ، كانوا في

--> ( 1 ) الأمين ، محسن . كتاب رحلات . . ص ص 116 - 117 - 118 . ( 2 ) المصدر نفسه ص ص 115 - 116 . ( 3 ) المصدر نفسه ص 150 . ( 4 ) المصدر نفسه ص ص 149 - 150 . ( 5 ) انظر : الفياض ، عبد الله . . الثورة العراقية الكبرى سنة 1920 ط 1 مطبعة الإرشاد . بغداد 1963 . ص 246 .